تاريخ النشر: الأحد ١٢ - نيسان - ٢٠٢٠
Post Image


المرأة؛ العامل غير المرئي في الأسرة

 

 

*كبرياء الساعور

 

تقضي النساء جزء كبير من حياتهن في الأعمال المنزلية، عمل مجاني لا ينال التقدير الذي يستحق، ولا يتم الاعتراف بدوره في خدمة المجتمع، والمساهمة الاقتصادية بإجمالي الناتج المحلي للاقتصاد، الأمر الذي ينعكس سلباً على مكانة المرأة في المجتمع وقدرتها على المشاركة في صنع القرار.

ما الأسباب التي جعلت العمل المنزلي من نصيب النساء؟

لماذا ننظر للنساء ربات المنازل على أنهن غير منتجات؟ وهل يشكل العمل المنزلي قيمة مضافة؟

تشير إحصاءات مساهمة المرأة السورية في قوة العمل إلى نسب متدنية بالنسبة للإحصاءات العالمية، وكثيراً ما تتهم ربات المنزل بالخمول والاسترخاء والتمتع بساعات فراغ، في حين أن الواقع المعاش يبين أن الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال تستغرق معظم وقتهن، وقد لا يجدن أوقات للراحة. طرحت سؤال بهذا الخصوص على إحدى مجموعات للسيدات على الفيس بوك، عن معدل الساعات اليومية التي يقضينها في الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، ولقد جاءت الإجابات في أغلبها معظم ساعات اليوم، من الصباح حتى المساء خاصة بوجود الأطفال، فأجابت إحداهن: "من وقت بيصحوا الولاد ليناموا بين طبخ وغسل وتدريس وترضيع  ووو..."، وكانت إجابة سيدة أخرى: "أعمل طوال اليوم وخاصة يوم العطلة يكون الشغل مضاعف، الأم ماعندها عطلة"، طالبت إحدى السيدات بيوم عطلة دون طبخ أو طلبات وقالت: "لا تسألي عن عدد ساعات العمل؛ بل السؤال هل نجد وقت للراحة خاصة بوجود أطفال في الأسرة".

تتنوع ظروف العمل غير المنظور، الذي تسهم فيه ملايين النساء تبعاً لتطور وتقدم البلد، لكن تشترك معظم النساء في هذا العمل، فالنساء هن راعيات الكبار والمرضى في العائلة، وتنال المرأة الريفية ساعات أكبر تصل لـ 16 ساعة في اليوم، من العمل المنزلي والعمل في الزراعة وممتلكات العائلة دون أجر، وتحرم الكثيرات من الملكية وحق الإرث، ويعكس تأنيث الأعمال المنزلية التمييز الذي مازال قائماً.

 

العمل غير المأجور 

يعرف العمل غير المأجور: بالعمل الذي ينتج سلع أو خدمات دون مقابل ويشمل العمل المنزلي والإنتاج المعيشي، والإنتاج غير المأجور لمواد السوق ويشمل العمل بالزراعة دون أجر، وتشكل النساء اليد العاملة الرئيسية في القطاع غير المأجور. وتبين دراسة لصندوق النقد الدولي أن النساء مازلن يؤدين القسم الأكبر من العمل غير المدفوع الأجر، حيث أشارت الدراسة إلى أن النساء يسهمن في تحقيق الرفاهية الاقتصادية، من خلال قيامهن بالأعمال غير المدفوعة الأجر، من قبيل تربية الأطفال والقيام  بالعمل المنزلي، وتظل هذه المساهمة غير مرئية أو محسوبة في إجمالي الناتج القومي.

هناك توزيع غير متكافئ للأعمال الأسرية والأعمال الرعوية غير المأجورة، وتقوم النساء في البلدان الفقيرة والغنية على حد سواء بأعمال منزلية ورعوية تفوق ما يقوم به الرجال، حيث تضطر النساء العاملات للعمل بوردية ثانية في الأعمال المنزلية.

 

ما هو العمل المنزلي؟ 

ترجع الأعمال المنزلية إلى مراحل اجتماعية بدائية، من بقايا الصناعات الحرفية والعائدة إلى تقسيم قديم للعمل، سابق لظهور السوق والسلع، حيث كان الرجل يختص بالصيد والأعمال العضلية، في حين كانت المرأة تقوم بإشعال النار، وصناعة الخبز وسلق القمح وغيرها من الأعمال المنزلية، ويعد مفهوم العمل المنزلي في الفكر الاقتصادي كافة الخدمات التي يتم إنتاجها واستهلاكها مجاناً داخل الأسرة، ويشمل العناية بالمنزل وتجهيزاته وإعداد وتقديم الطعام وشراء المستلزمات المنزلية، ورعاية وتربية الأطفال ورعاية أفراد الأسرة والمسنين، وغيرها من الأعمال التي تقع بشكل رئيسي على عاتق المرأة.

وتقول د. خالدة سعيد في توصيف العمل المنزلي: "إن النساء يقمن بخدمة قوة العمل الرجالية، وبالتالي يحصل المجتمع على هذه الخدمات مجاناً كون العمل المنزلي غير مأجور ويتم لحساب العائلة".

في كتاب أصل العائلة استخدم "انجلز" مصطلح العبودية المنزلية، للإشارة إلى العلاقة بين تبعية المرأة والعمل المنزلي غير المدفوع الأجر، ولعل إحدى الانجازات النظرية للموجة النسوية الثانية في النقاش حول دور عمل المرأة المنزلي، تمثلت في نظرية إعادة تجديد الإنتاج الاجتماعي، وعن دور العمل المنزلي غير المدفوع الذي تقوم به النساء في خدمة الرأسمال.

ولقد بين الفكر الاقتصادي النسوي، أن العمل المنزلي غير المدفوع ينتج فائض قيمة، وأن النساء يتعرضن للاستغلال حيث يستفيد الرجال من فائض القيمة، نظراً لأن النساء تقوم بخدمات النظافة والطعام وتربية الأطفال مجاناً، وهذا العمل يحد من قدرة النساء لدخول سوق العمل، والحصول على دخل مستقل ويسهم في ظاهرة تأنيث الفقر.

 لذا تبنت الحركة النسوية العالمية مطلب تضمين العمل المنزلي غير المدفوع في الحسابات القومية، وتبلور هذا في إعلان بيجين عام 1995 لمؤتمر المرأة العالمي، ولقد اعترفت لجنة الإحصاء الأممية في الأمم المتحدة بضرورة إعداد حسابات تكميلية، تختص بإحصاءات العمل المنزلي، وحددت الأعمال غير المدفوعة بأعمال الخدمات المنزلية، أعمال الرعاية، أعمال خدمة المجتمع.

وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة لعام 2012، لاتزال النساء يقضين وقتاً أطول من الرجال في العمل غير المدفوع، وهذه الفجوة تزداد في الدول النامية مقارنة بالدول الصناعية، وتتفاوت بحسب الموروث الثقافي والاجتماعي.

 

المرأة الريفية والعمل غير المأجور 

لابد من تناول عمل النساء المجاني في الريف لحساب العائلة، حيث تعمل النساء في مختلف قطاعات الزراعة، لكن الكثير من الأعمال التي تزاولها المرأة غير مدفوعة الأجر، وهذا يلقي بعبء هائل على كاهلها.

جاء في تقرير الأمم المتحدة لتمكين المرأة الريفية لعام 2012، (تقضي النساء والفتيات الريفيات معظم أوقاتهن بأنشطة غير مدفوعة الأجر، حيث تقتضي الأعراف الجنسانية والأدوار السائدة في المجتمعات الريفية، بأن تضطلع النساء والفتيات بمجموعة واسعة من المسؤوليات، بدءاً بالمهام المنزلية من قبيل رعاية الأطفال وطهي الطعام، وانتهاءً بأعمال غير مدفوعة الأجر في المزارع العائلية) ولقد أفادت منظمة الأغذية والزراعة، أن المرأة الريفية الفقيرة تعمل ما لا يقل عن 16 - 18 ساعة يومياً، ولا يعترف بهذه الأعمال في صناعة السياسات والتخطيط  لتوفير الخدمات.

ولقد بينت دراسة ميدانية، عن عمل المرأة غير المأجور في دمشق وريفها، أنجزته عام 2007 ما يلي:

أن النساء أفراد العينة تمضي 8 إلى 12 ساعة يومياً، في أعمال التنظيف والغسيل والكي وإعداد الطعام ورعاية الأطفال والتدريس وبذلك تفوق أي عامل في المؤسسات العامة والخاصة، مع فارق أن هذا العمل دون أجر.

وبينت الدراسة أن النساء يعملن ساعات عمل غير مقدرة القيمة النقدية، بالمهام المنزلية وفي توفير كل شروط الرعاية والعناية بالأسرة وهذا يشمل رعاية المسنين في العائلة، لذا يحتل هذا العمل ومن يؤديه مرتبة دونية، ويشكل إحدى العقبات التي تحول دون إسهام المرأة في سوق العمل.

كثيرات من النساء في بلادنا يتخلين عن طموحاتهن وذلك للتفرغ لرعاية الأسرة ورعاية المسنين، فضلاً عن الأوضاع والضغوط التي تواجهها المرأة العاملة، وتحديات الجمع بين العمل في الخارج وأعباء رعاية الأسرة والأطفال، واضطرارها إلى الانقطاع عن العمل الذي من شأنه الحد من إمكانات تطورها المهني والمادي.

أما بالنسبة لعمل المرأة في الريف، بينت الدراسة  أن متوسط عمل نساء العينة من ريف دمشق (قرية تابعة لمدينة يبرود) يبلغ  8 ساعات يومياً، لاسيما في مواسم قطاف الكرز والتفاح والمشمش، وجمع محاصيل البازلاء والبطاطا والبندورة وتجفيف الخضار، وسلق القمح وإعداد البرغل والكشك وغيرها من أعمال المونه، وتصل ساعات عمل النساء في الأسر التي تقوم بتربية الثروة الحيوانية إلى 10 ساعات يومياً، حيث تعمل النساء في حلب الماشية، وتقديم العلف وصناعة مشتقات الحليب والأجبان، علماً أن النساء الريفيات بالإضافة  لمشاركتهن في الأنشطة الزراعية الخاصة بالأسرة يواصلن تحمل مسؤولية العمل المنزلي، ومن صور الحيف الذي تعيشه المرأة الريفية، تحدثت إحدى السيدات عن إجبارها من قبل عائلة الزوج على العمل في قطف البازلاء، بعد انجابها بوقت قصير حيث تعرضت  للنزيف من جراء ذلك.

كما اشتكت النساء من ضغوط اجتماعية ونفسية، متمثلة بحجم الأعباء الموكلة إليهن والمسؤوليات العائلية، في مقابل تجاهل وتبخيس لقيمة عملهن.


ويشير تقرير تمكين المرأة لعام 2017 المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، إلى تحمل المرأة عبء مجحف في العمل غير المدفوع الأجر.

لذا ينبغي السعي لتقليل ساعات العمل غير المدفوع من خلال:

- توفير فرص عمل للنساء، ودمجهم في سوق العمل، وتوفير التمويل لرائدات الأعمال 

-الاستثمار في البنى التحتية في المناطق الريفية، وتحسين خدمات التعليم والتدريب المهني

- زيادة العمل على خدمات الرعاية المدفوعة الأجر

- إعادة توزيع وقت العمل المنزلي داخل الأسرة، مثل منح إجازة أمومة وإجازة أبوة مدفوعة الأجر

- قيام الدولة بمسؤوليتها المجتمعية، من خلال توفير رعاية الأطفال دون سن الرابعة.


إن النساء والرجال يولدون بالإمكانات نفسها، لكن التباين في إمكانية الحصول على التعليم والرعاية الصحية وفي الحقوق القانونية وفي العوامل الاجتماعية والثقافية، يحرم النساء من تفتح قدراتهن ويزيد الفجوة بين الجنسين.

 


* الدراسة تمت تحت محور المرأة والتنمية - عمل المرأة غير المأجور في دمشق وريفها بمناسبة دمشق عاصمة الثقافة عام 2007 الذي تناول عمل المرأة غير المأجور في الأعمال المنزلية وفي القطاع الزراعي.

*المقال يعبر عن رأي الكاتبة ولا يعبر بالضرورة عن رأي الحركة.

 


إلى الأعلى